المقريزي

17

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وأنتم صاغرون ، وإمّا أن جاهدناكم بالصّبر والقتال حتى يحكم اللّه بيننا وبينكم ، وهو خير الحاكمين » . فلمّا جاءت رسل المقوقس إليه قال : كيف رأيتم هؤلاء ؟ قالوا : رأينا قوما الموت أحبّ إلى أحدهم من الحياة ، والتواضع أحبّ إلى أحدهم من الرّفعة ، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة ، إنّما جلوسهم على التّراب ، وأكلهم على ركبهم ، وأميرهم كواحد منهم ، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم ، ولا السّيّد منهم من العبد ، وإذا حضرت الصّلاة لم يتخلّف عنها منهم أحد ، يغسلون أطرافهم بالماء ، ويخشعون في صلاتهم . فقال عند ذلك المقوقس : والذي يحلف به ، لو أنّ هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها ، وما يقوى على قتال هؤلاء أحد ، ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النّيل ، لم يجيبوا بعد اليوم إذا أمكنتهم الأرض ، وقووا / على الخروج من موضعهم . فردّ إليهم المقوقس رسله : ابعثوا إلينا رسلا منكم نعاملهم ، ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم . فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر ، أحدهم عبادة بن الصّامت ، وكان طوله عشرة أشبار ، وأمره أن يكون متكلّم القوم ، ولا يجيبهم إلى شيء دعوه إليه إلّا إحدى هذه الثّلاث خصال ، فإنّ أمير المؤمنين قد تقدّم إليّ في ذلك ، وأمرني ألّا أقبل شيئا سوى خصلة من هذه الثلاث خصال . وكان عبادة أسود ، فلمّا ركبوا السّفن إلى المقوقس ودخلوا عليه ، تقدّم عبادة ، فهابه المقوقس لسواده ، وقال : نحّوا عنّي هذا الأسود ، وقدّموا غيره يكلّمني . فقالوا جميعا : إنّ هذا الأسود أفضلنا رأيا وعلما ، وهو سيّدنا وخيرنا والمقدّم علينا ، وإنّما نرجع جميعا إلى قوله ورأيه ، وقد أمره الأمير دوننا بما أمره ، وأمرنا ألّا نخالف رأيه وقوله ؛ قال : وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم ، وإنّما ينبغي أن يكون هو دونكم ؟ قالوا : كلّا ، إنّه وإن كان أسود كما ترى ، فإنّه من أفضلنا موضعا وأفضلنا سابقة وعقلا ورأيا ، وليس ينكر السّواد فينا ؛ فقال المقوقس لعبادة : تقدّم يا أسود وكلّمني برفق ، فإنّي أهاب سوادك ، وإن اشتدّ كلامك عليّ ، ازددت لك هيبة . فتقدّم عليه عبادة فقال : قد سمعت مقالتك ، وإنّ فيمن خلّفت من أصحابي ألف رجل أسود كلهم أشدّ سوادا منّي وأفظع منظرا ، ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم منك لي ، وأنا قد ولّيت وأدبر شبابي ، وإنّي مع ذلك - بحمد اللّه - ما أهاب مائة رجل من عدوّي لو استقبلوني جميعا ، وكذلك أصحابي ؛ وذلك إنّما رغبتنا وهمّتنا الجهاد في اللّه واتّباع رضوانه ، وليس غزونا عدوّا ممن